صديق الحسيني القنوجي البخاري
36
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ ما مبهمة مفسرة بقوله : مِنْ شَيْءٍ له ظل وهي الأجسام فهو عام أريد به الخاص وخرج به الملك والجن يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ أي تميل وتدور وتنتقل من جانب إلى جانب وتكون أول النهار على حال وتتقلص ثم تعود في آخر النهار على حالة أخرى قال الأزهري : تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي وما انصرفت عنه الشمس والقمر ، والذي يكون بالغداة هو الظل وهو ما لم تنله . وقال ثعلب : أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل ، وفي السمين التفيؤ تفعل من فاء يفيء إذا رجع وفاء قاصر فإذا أريد تعيدته عدّى بالهمزة كقوله ما أفاء اللّه على رسوله أو بالتضعيف نحو فيأ اللّه الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ فهو لازم . واختلف في الفيء فقيل هو مطلق الظل سواء كان قبل الزوال أو بعده وهو الموافق لمعنى الآية ههنا ، وقيل ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط وما كان بعده فهو ظل وفيء فالظل أعم ، وقيل بل يختص الظل بما قبل الزوال والفيء بما بعده والظلال جمع ظل وهو مضاف إلى مفرد لأنه واحد يراد به الكثرة . عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ أي عن جهة أيمانها وعن شمائلها أي عن جانبي كل واحد منها استعارة أو مجاز من اطلاق المقيد على المطلق ، قال أبو السعود : استعير لهما ذلك من يمين الإنسان وشماله ، وقيل المراد باليمين يمين الفلك وهو جهة المشرق لأن الكواكب منه تظهر آخذة في الارتفاع والسطوع ومن الشمائل شماله وهي جهات المغرب المقابل له فإن الظلال في أول النهار تبتدىء من الشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدىء من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها . قال الفراء : وحد اليمين لأنه أراد واحدا من ذوات الاظلال وجمع الشمال لأنه أراد كلها لأن ما خلق اللّه لفظ مفرد ومعناه جمع . وقال الواحدي : وحد اليمين والمراد به الجمع ايجازا في اللفظ كقوله وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] ، وبه قال الزمخشري ودلت الشمائل على أن المراد بها الجمع ، وقيل إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] ، و خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [ البقرة : 7 ] . وقيل المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وأنها واحدة والشمائل عبارة عن الانحراف في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة ، قيل إذا طلعت الشمس من المشرق وأنت متوجه إلى القبلة كان ظلك عن يمينك فإذا استوت الشمس في وسط السماء كان ظلك في خلفك فإذا مالت إلى الغروب كان ظلك عن يسارك .